حكومات تدعو سكانها الى التموّن... ماذا ينتظر العالم؟!

Thumbnail

في السنوات الأخيرة، بدأت حكومات في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية تخاطب مواطنيها بلغة لم تعتدها منذ عقود. فهي لا تكتفي بتحذيرات الطقس وإرشادات السلامة المعتادة، بل باتت تطلب من كل أسرة أن تحتفظ في بيتها بغذاء وماء وأدوية تكفيها أياماً إذا انقطعت الكهرباء والمياه والاتصالات. وقد جاء هذا التوجه متزامناً في عدة دول، فتحوّل إلى موضوع نقاش واسع. ودفع الى طرح سؤال اساسي: هل وراء الأمر خوف من خطر أمني لا يُعلن عنه صراحة؟

الدول والمدة

على المستوى الأوروبي، تبنّت المفوضية الأوروبية في آذار 2025 استراتيجية "اتحاد الجاهزية"، وتعهدت فيها بوضع إرشادات تتيح للسكان الاعتماد على أنفسهم لمدة 72 ساعة على الأقل. وهذه توصية ليست قانونا يُلزم الأسر بتجهيز حقائب طوارئ، كما انه تُترك التفاصيل لكل دولة.

وبالتالي قد اختلفت المدة من بلد إلى آخر بحسب تقديره للمخاطر، اذ تتصدر ألمانيا والنمسا الدول الأكثر تشدداً، فتنصح ألمانيا بمخزون غذائي يكفي عشرة أيام مع اعتبار ثلاثة أيام حداً أدنى مفيداً، وتوصي النمسا بما بين عشرة وأربعة عشر يوماً.

وتأتي بعدهما سويسرا بتوصية تقارب أسبوعاً، والسويد وإستونيا بأسبوع على الأقل، والنرويج التي رفعت توصيتها من ثلاثة أيام إلى أسبوع.

أما بريطانيا فأطلقت حملة "كن مستعداً" لثلاث سنوات تدعو الأسر إلى مؤونة تكفي ثلاثة أيام، وهي المدة نفسها التي توصي بها فرنسا وهولندا وإيرلندا وفنلندا والدنمارك، وبلجيكا التي أطلقت حملتها في أبريل 2026. وفي دول البلطيق تنصح ليتوانيا بثلاثة أيام، بينما تتراوح توصية لاتفيا بين ثلاثة وسبعة. أما بولندا فوزّعت دليلاً على المنازل، وأقرّت قانوناً للحماية المدنية يسري منذ يناير 2026 ويشترط تهيئة ملاجئ موقتة في المباني الجديدة.

ولا يقتصر الأمر على أوروبا، ففي اليابان أعلن وزير إدارة الكوارث أن الحكومة ستصدر نداءً وطنياً عند تأسيس هيئة الكوارث الجديدة في الثاني من تشرين الثاني 2026، تطلب فيه تخزين ثلاثة أيام من الغذاء والماء ومستلزمات الطوارئ أسبوعاً إن أمكن.

وتوصي تايوان في دليلها الرسمي بمخزون أسبوع على الأقل. وفي أميركا الشمالية توصي وكالة الطوارئ الفيدرالية الأميركية بثلاثة أيام على الأقل، مع غالون ماء (نحو 3.8 لترات) للشخص يومياً، وقد تصل التوصية في بعض الإرشادات إلى أسبوعين. وتوصي كندا والمكسيك بثلاثة أيام، وكذلك مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا.

المخزون

أما محتويات المخزون، فالحكومات تقول إن المطلوب ليس شراء كميات ضخمة تسبب هلعاً في الأسواق، بل تأمين الأساسيات لمواجهة انقطاع الكهرباء والمياه والإنترنت وأنظمة الدفع. كما تنصح الحكومات بتخزين أطعمة لا تحتاج إلى تبريد أو طهي معقد، كالمعلبات والبقوليات والأرز والمقرمشات، وبحقيبة إسعافات أولية وأدوية الأسرة الموصوفة ومستلزمات النظافة.

واللافت ايضا انه يُنصح براديو يعمل بالبطارية أو بالتدوير اليدوي لمتابعة التعليمات الرسمية عند انقطاع الإنترنت، مع مصباح يدوي وبطاريات احتياطية وبنوك طاقة مشحونة.

ولم يُغفل النقد، فقد نصحت السويد مواطنيها بمبلغ يكفي أسبوعاً على الأقل بفئات مختلفة، تحسّباً لتعطل الصرافات وبطاقات الدفع. وأضافت مفوضة الاتحاد الأوروبي : أوراق الهوية في غلاف مقاوم للماء، وأعواد الثقاب، وسكيناً متعدد الاستعمال.

امام هذه "المطالب" يبقى السؤال عن الدافع الحقيقي؟

وهنا، يرى مصدر ديبلوماسي ان للأمن حضوراً واضحاً، لكن الصورة أدق من "الخوف من حرب وشيكة". فاستراتيجية الاتحاد الأوروبي الصادرة في 26 آذار 2025 تتحدث عن الاستعداد لحوادث كبرى تشمل احتمال العدوان المسلح على دولة عضو أو أكثر، إلى جانب الكوارث الطبيعية والهجمات السيبرانية.

وفي ألمانيا، أصدرت الهيئة الاتحادية للحماية المدنية في منتصف تشرين الاول 2025 طبعة معدلة من دليلها "الاستعداد للأزمات والكوارث". وقد حذّرت من شالحرب للمرة الأولى منذ خمسة وثلاثين عاماً، وقالت إنها لم تعد تبدو مستحيلة كما كانت قبل سنوات.

 وفي دول الشمال، بدأت السويد وفنلندا في 18 تشرين الثاني 2024 توزيع إرشاداتهما المحدّثة، السويد بكتيّب ورقي لكل منزل وفنلندا بموقع إلكتروني موحّد. وكانت النرويج والدنمارك قد أصدرتا إرشاداتهما في وقت سابق من العام نفسه.

ويقول المصدر: هذه الأدلة لا تذكر روسيا صراحة، لكن مسؤولين سويديين وفنلنديين أقرّوا في تلك الفترة بأن غزو أوكرانيا أثّر في قرار تحديثها. وتُضاف إلى ذلك مخاوف من تخريب البنية التحتية البحرية في بحر البلطيق.

وبشأن المدة المطلوبة، فراى المصدر ان سبب اختلافها من دولة الى آخرى هو نتيجة لاختلاف التقدير للاستجابة للمخاطر، فإذا وقعت أزمة واسعة انشغلت أجهزة الطوارئ بالأولويات القصوى ولن تستطيع الوصول إلى كل بيت في أيامها الأولى، فتُطلب من الأسر القدرة على تدبّر أمرها حتى تستقر الأوضاع.

وفي المقابل، أطلقت بريطانيا حملة "كن مستعداً" في 22 تشرين الاول 2026، وأكدت الحكومة عند إطلاقها أن الحملة تهدف إلى تعزيز الصمود وليست استجابة لتحذير استخباراتي محدد.

ويختم المصدر: الاستعداد صار سياسة معلنة في بيئة أمنية تغيّرت منذ 2022، وهو لا يعني أن حرباً ستقع قريباً، ولكن الرسالة المشتركة بين هذه الدول أن المساعدة قد لا تصل فوراً، وأن على كل أسرة أن تكفي نفسها لبضعة أيام.