صيدا تستعيد بوصلتها البحرية على متن "Cedar Waves"

Thumbnail

لا تريد صيدا أن تبقى خارج الخريطة السياحية اللبنانية، ولا أن يظل البحر الذي يحتضنها مجرد مشهد من شرفات المدينة وواجهة كورنيشها. لذلك تستعد بلدية صيدا لفتح نافذة جديدة على السياحة البحرية، عبر استقبال الباخرة السياحية "Cedar Waves" في مرفئها للمرة الأولى، في الخامس من أيلول المقبل، وعلى متنها ركاب ينطلقون من جونية ومنطقتها.

وقد تبدو الخطوة، للوهلة الأولى، رحلة سياحية بين مدينتين ساحليتين، لكنها تتجاوز ذلك في أبعادها السياحية والاقتصادية والإنمائية والوطنية. فالمبادرة البلدية تفتح الباب أمام إعادة صيدا إلى مسارات السياحة البحرية، وتطرح البحر مساحة للتواصل بين المناطق اللبنانية، وجسرًا يصل المدن بعضها ببعض.

وفي إطار التحضير، زار وفد برئاسة رئيس بلدية صيدا المهندس مصطفى حجازي، وضم نائب الرئيس الدكتور أحمد عكرة وعددًا من أعضاء المجلس البلدي، صاحب الباخرة مرعي أبو مرعي، حيث جرى البحث في المبادرة وطلب دعمه لها، انطلاقًا من أهمية إدخال صيدا مجددًا إلى خارطة السياحة البحرية.

ولم تتوقف التحضيرات عند حدود التنسيق، إذ قام حجازي ونائبه عكرة ووفد من المجلس البلدي برفقة أبو مرعي برحلة بحرية خاصة انطلقت من "الزيتونة بيه" في بيروت باتجاه جونية، في خطوة عكست عمليًا إمكانية ربط المدن الساحلية اللبنانية عبر البحر، وتحويل الرحلات البحرية إلى مسار سياحي يتيح للزائر اكتشاف أكثر من مدينة في رحلة واحدة.

وتتجاوز أهمية وصول "Cedar Waves" إلى صيدا عدد الركاب الذين ستنقلهم، فالسائح القادم بحرًا سيجد أمامه مدينة غنية بمعالمها التاريخية والتراثية، من القلعة البحرية والأسواق القديمة إلى المطاعم والمقاهي والمؤسسات التجارية والحرفية. ومن شأن هذه الحركة أن تنعكس على قطاعات اقتصادية متعددة، وأن تعيد ضخ النشاط في المدينة القديمة ومحيطها.

وتراهن البلدية على أن تتحول الرحلة إلى بداية لمسار أكثر انتظامًا، يتيح استقطاب رحلات بحرية إضافية وربط صيدا بجونية وبيروت وسائر المدن الساحلية، بما يعزز السياحة الداخلية ويفتح آفاقًا جديدة أمام الاقتصاد المحلي.

ولا يقتصر البعد الإنمائي للمبادرة على الحركة السياحية المباشرة، إذ إن زيادة أعداد الزوار تنعش الأسواق والمطاعم والمقاهي والحرف والصناعات المحلية، وتدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فيما يمكن لتطوير السياحة البحرية أن يفتح المجال أمام مشاريع وخدمات جديدة مرتبطة بالنقل والضيافة والاستقبال السياحي.

ويبرز في المبادرة بُعدها الوطني، إذ تنظر بلدية صيدا إلى البحر باعتباره جسرًا للتلاقي، وليس حدًا يفصل بين المدن. فربط الساحل اللبناني بحريًا يمكن أن يعزز التواصل بين المناطق، ويتيح للبنانيين اكتشاف مدن بلدهم من زاوية مختلفة، ويكرّس ثقافة الانفتاح والتعارف والتواصل.

وأوضح حجازي أن توجيه الدعوة إلى رئيس بلدية جونية وأعضاء المجلس البلدي يأتي في إطار تعزيز التعاون بين البلديتين وفتح نافذة بحرية بين المدينتين، وصولا إلى ترسيخ هذا المسار واستدامته، بما يساهم في تنشيط السياحة الداخلية وإبراز صيدا كمدينة تاريخية منفتحة على محيطها، ولا سيما أنها ستكون عاصمة للثقافة والحوار عام 2027. كما أشار إلى أهمية المبادرة في ظل التداعيات التي خلفتها الحرب الإسرائيلية على لبنان والجنوب، والحاجة إلى دعم الحركة السياحية والاقتصادية وفتح مسارات جديدة أمام الزوار.

 

جونية: سياحة مشتركة

من جهته، ثمّن رئيس بلدية جونية فيصل فرام المبادرة، معتبرًا أنها تعكس الترابط بين المدن الساحلية اللبنانية. وأشار إلى أن الساحل الممتد من الجنوب إلى الشمال يشكل فرصة لتعزيز التواصل والسياحة المشتركة، مؤكدًا أن أهمية الرحلات البحرية تكمن أيضًا في إتاحة المجال أمام أبناء جونية لاكتشاف صيدا وسائر المناطق اللبنانية.

أما مرعي أبو مرعي، فاعتبر أن الهدف من المبادرة يتجاوز تنشيط السياحة البحرية إلى ربط المناطق اللبنانية بعضها ببعض، وإظهار قدرة البحر على أن يكون جسرًا للتواصل والتلاقي والوحدة الوطنية. وأعرب عن أمله في أن تشكل الرحلة بداية لمسار يعزز السياحة في صيدا ويفتح أمام الزوار طرقًا جديدة للوصول إليها، ويساهم في إعادة وضعها على خريطة السياحة البحرية اللبنانية.

في الخامس من أيلول، إذًا، لن يكون وصول "Cedar Waves" إلى صيدا مجرد رحلة سياحية. فالرهان أن تكون رحلة أولى في مسار أطول، يتحول فيه البحر من مساحة تفصل المدن إلى طريق يصل بينها، حاملا السياح والحركة الاقتصادية ورسالة وطنية عنوانها: لبنان مدن متقاربة، وبحر واحد يمكن أن يكون جسرًا للتلاقي والانفتاح والتواصل.

محمد دهشة