"السمكة الكبيرة" سقطت أخيراً... HSBC في قلب قضية رياض سلامة
ليبانون ديبايت
في تطور قضائي بارز ضمن ملف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، وجّه القضاء الفرنسي اتهامات رسمية إلى HSBC Private Bank Suisse، الفرع السويسري للمجموعة المصرفية البريطانية العملاقة، للاشتباه بمساعدته على تحويل وتبييض مئات ملايين الدولارات في القضية المعروفة بملف "الأموال اللبنانية غير المشروعة".
وبحسب تحقيق للصحافي غيوم دودان نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، فإن المصرف وُضع رسمياً قيد الاتهام منذ 6 أيار الماضي، في خطوة وصفت بأنها من أبرز التطورات في التحقيق الفرنسي المفتوح منذ تموز 2021، إثر شكوى تقدمت بها جمعية "شيربا" لمكافحة الفساد و"تجمع ضحايا الممارسات الاحتيالية والإجرامية في لبنان".
ووجّه قاضيا التحقيق المالي في باريس إلى HSBC Private Bank Suisse تهم "تبييض الأموال ضمن عصابة منظمة" و"تأليف جمعية أشرار بهدف ارتكاب جرائم تشمل اختلاس أموال عامة وخيانة الأمانة وفساد موظفين عموميين"، كما أُلزم المصرف بدفع كفالة مالية قدرها 80 مليون يورو تحسباً لتعويضات محتملة في المستقبل.
ويشتبه القضاء الفرنسي بأن رياض سلامة، البالغ 75 عاماً، كان محور عملية اختلاس نحو 330 مليون دولار بين عامي 2002 و2015. وتقوم فرضية التحقيق على أن مصارف تجارية لبنانية دفعت عمولات مقابل شراء منتجات مالية من مصرف لبنان، قبل أن تُحوّل هذه الأموال عبر شركة "فوري أسوشييتس" المسجلة في جزر العذراء البريطانية.
وتشير التحقيقات إلى أن سلامة، عند توقيع العقد مع الشركة عام 2002، لم يكشف أن مالكها الفعلي هو شقيقه رجا سلامة. وبعد إيداع الأموال في حساب "فوري" لدى HSBC سويسرا، أعيد استخدامها عبر هياكل مالية معقدة وتحويلات متعددة لشراء عقارات وأصول في فرنسا ودول أوروبية أخرى لصالح رياض سلامة ومقربين منه.
ووفق تقرير أعده مكتب مكافحة الجرائم المالية الكبرى في فرنسا، فإن HSBC كانت تمتلك "ترسانة قانونية ورقابية وتشغيلية" كافية لاكتشاف الآلية المستخدمة وإحباطها، لكنها "بدت وكأنها صادقت على نظام لإخفاء حركة الأموال"، و"سمحت عن علم لرياض ورجا سلامة بالاستفادة من أموال فوري"، ما أتاح تبييض ما يقارب 330 مليون دولار.
ويحمّل التقرير مسؤولية التقصير لمختلف مستويات المصرف، من الموظفين المكلفين بالتدقيق في العمليات المالية إلى الإدارة العليا، مشيراً إلى أن البنك كان قادراً على رصد التحويلات المشبوهة ومنعها.
ورداً على أسئلة "لوموند"، اكتفت HSBC بالقول إنها لا تستطيع التعليق على قضية قضائية جارية، مؤكدة استمرار تعاونها مع السلطات المختصة.
كما أشار التحقيق إلى أن المصرف يواجه إجراءات وملاحقات أخرى في سويسرا ولوكسمبورغ مرتبطة بالقضية نفسها، فيما طالت الشبهات عدداً من المصرفيين ومديري الحسابات الذين أشرفوا على العلاقة المالية مع رياض سلامة وشقيقه.
وفي فرنسا، شمل التحقيق حتى الآن ما لا يقل عن 10 أشخاص، بينهم رياض سلامة وشقيقه رجا وأفراد من عائلتهما وشخصيات مالية لبنانية أخرى.
من جهتها، انضمت حاكمية مصرف لبنان كجهة مدعية في الملف، بعدما أكد الحاكم الحالي كريم سعيد أمام القضاء الفرنسي أن شركة "فوري" كانت بمثابة "طفيلي" استنزف مصرف لبنان وشكل "حصان طروادة" لخدمة مصالح رياض سلامة.
واعتبرت جمعية "شيربا" أن توجيه الاتهام إلى HSBC يشكل "تقدماً مهماً" في مسار استعادة جزء من الأموال التي حُرم منها اللبنانيون، فيما رأى المحامي اللبناني كريم ضاهر أن هذه الخطوة تعزز مكافحة الإفلات من العقاب وتمنح اللبنانيين أملاً بكشف حقيقة ما جرى.
ويخضع رياض سلامة منذ أيار 2023 لمذكرة توقيف دولية صادرة عن القضاء الفرنسي، إلا أن لبنان لا يسلم مواطنيه، ما يجعل مثوله أمام القضاء الفرنسي أمراً مستبعداً في الوقت الراهن. ومع دخول HSBC رسمياً إلى دائرة الاتهام، تكون التحقيقات قد انتقلت من ملاحقة الأفراد إلى مساءلة إحدى أكبر المؤسسات المصرفية العالمية عن دورها المحتمل في واحدة من أكبر القضايا المالية المرتبطة بانهيار لبنان.





