معركة صامتة بين الدهون والعضلات… كيف نربحها؟

Thumbnail

مع بلوغ الخامسة والأربعين من العمر، يدخل جسم الإنسان مرحلة جديدة من التغيّرات الطبيعية التي لا ترتبط بالمرض بقدر ما ترتبط بالعمر نفسه. هذه المرحلة غالبًا ما تكون مفصليّة، إذ يبدأ العديد من الناس بملاحظة زيادة في الوزن، وتراجع في الطاقة، وضعف في القوّة الجسديّة، وصعوبة في الحفاظ على الشكل المعتاد للجسم، حتى مع الالتزام بنمط حياة صحيّ نسبيًا. لكن فهْم ما يحدث داخل الجسم هو الخطوة الأولى لاستعادة التوازن.

بعد سن الخامسة والأربعين، تبدأ الكتلة العضليّة بالانخفاض تدريجيًا، ليس فقط من حيث الحجم بل أيضًا من حيث القوّة والكفاءة. العضلات تصبح أقلّ قدرة على الاستجابة للتمارين وبناء نفسها كما في سن الشباب. في المقابل، يميل الجسم إلى تخزين الدهون بسهولة كبرى، وخصوصًا في منطقة البطن.

إلى ذلك، يتباطأ الأيض أو ما يُعرف بالحرق، ما يعني أن الجسم يحتاج إلى سعرات حرارية أقلّ من السابق، أي إن كميّة زائدة من الطعام، حتى وإن كانت بسيطة، قد تتحوّل إلى دهون مخزنة. كما يعاني كثيرون من انخفاض في مستوى الطاقة، ومن تعب أسرع أثناء النشاط اليوميّ، وبطء في التعافي بعد المجهود أو التمارين الرياضيّة. ولا يمكن إغفال ضعف العظام والمفاصل، الناتج عن تراجع كثافة العظام مع التقدّم في العمر.

 

لماذا تزيد الدهون مع تقدّم العمر؟

زيادة الدهون بعد سن الخامسة والأربعين، ليست دائمًا نتيجة الإفراط في تناول الطعام أو قلّة الحركة فقط. فهناك عوامل بيولوجية تؤدّي دورًا أساسيًا، أهمّها التغيّرات الهرمونية.

لدى النساء، يبرز هذا الأمر بشكل أوضح مع الاقتراب من سن انقطاع الطمث، حيث يؤدّي انخفاض هرمونَي الإستروجين والبروجسترون إلى تغيّر في طريقة تعامل الجسم مع السُّكَّر، ما يزيد خطر مقاومة الإنسولين وتراكم الدهون، خصوصًا في منطقة البطن.

عامل آخر لا يقلّ أهميّة، هو فقدان الكتلة العضليّة. فالعضلات تُعدّ نسيجًا نشطًا يحرق السّعرات الحرارية حتى في وضع الراحة. وعندما تقلّ العضلات، ينخفض الحرق تلقائيًا، وتصبح زيادة الوزن أسهل. كما أن ارتفاع هرمون التوتر (الكورتيزول) الناتج عن ضغوط الحياة أو قلّة النوم، يعزز الشهية ويشجّع على تخزين الدهون الحشوية.

 

العدوّ الخفيّ 

بدءًا بسن الأربعين وحتى عمر الخمسين، يبدأ الجسم بفقدان تدريجيّ للكتلة العضليّة والقوّة، وهو ما يُعرف باسم "الساركوبينيا". علميًّا، يفقد الإنسان حوالى 1 % من كتلته العضليّة سنويًا بعد سن الأربعين، وقد يصل الفقد من 1 إلى 2 % سنويًّا بعد سن الستين. الأخطر من ذلك أن القوّة العضلية تنخفض بوتيرة أسرع من حجم العضلات، ما يفسّر شعور الكثيرين بالضعف أو عدم الثبات حتى دون تغيّر واضح في شكل الجسم.

فترات قلّة الحركة، مثل المرض أو الدخول إلى المستشفى أو نمط الحياة الخامل، قد تؤدّي إلى خسارة سريعة في العضلات لدى كبار السن. ومع الوقت، تؤثر هذه الخسارة في القدرة على أداء المهام اليومية، وتزيد خطر السقوط، وتساهم في تطوّر أمراض مزمنة مثل السكّري من النوع الثاني وأمراض القلب.

 

البروتين حجر الأساس 

رغم أن احتياج الجسم للبروتين يزداد مع التقدّم في العمر، إلّا أن كثيرين بعد سن الخامسة والأربعين يتناولون كميّات أقل من البروتين بسبب قلّة الشهية أو تقليل كمية الطعام. هذا الخلل بين المتناوَل الغذائي واحتياجات الجسم، يؤدّي إلى اضطراب مستمرّ في توازن بناء البروتين العضليّ وتحلّله، ما يسرّع فقدان العضلات والقوّة.

التوصيات الغذائيّة الحديثة تشير إلى أن الأشخاص بين 45 و 65 سنة يحتاجون إلى حوالى 1.0– 1.2 غرام بروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا. بينما قد يحتاج من هم فوق الخامسة والستين، إلى 1.2– 1.5 غرام لكل كيلوغرام للوقاية من "الساركوبينيا". أي أن شخصًا يزن 70 كيلوغرامًا يحتاج إلى ما بين 70 و 105 غرامات من البروتين يوميًا، موزعة على الوجبات وليس في وجبة واحدة فقط.

 

مصادر البروتين والتنوّع 

تشمل المصادر الحيوانية المناسِبة لهذه الفئة العمرية: البيض، الدواجن الخالية من الجلد، الأسماك الغنية بالأوميغا 3، اللحوم الحمراء القليلة الدهن باعتدال، إضافة إلى منتجات الألبان الغنيّة بالكالسيوم.

أمّا البروتين النباتي فهو خيار مهمّ وفعّال، خاصة للنباتيّين. ورغم أن معظم البروتينات النباتية غير مكتملة من حيث الأحماض الأمينية، إلّا أن الجمع الذكيّ بين الحبوب والبقوليّات والمكسّرات والبذور يوفر بروتينًا متكاملًا. ويُعدّ فول الصويا المصدر النباتي الوحيد الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية بطبيعته.

 

متى نحتاج بروتينًا أكثر؟

تزداد الحاجة إلى البروتين بعد سن الخامسة والأربعين في حالات معيّنة، مثل وجود مقاومة الجسم للبناء العضلي (Anabolic Resistance)، الإصابة بأمراض مزمنة، فترات الراحة الطويلة في السرير، بعد العمليات الجراحية، أو أثناء فقدان الوزن مع الحفاظ على الكتلة العضلية. في هذه الحالات، قد ترتفع الحاجة إلى 1.5–2.0 غرام بروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم تحت إشراف مختص.

 

الحركة شريك أساسيّ

لا يمكن للبروتين وحده أن يحمي العضلات من دون نشاط بدني. تمارين المقاومة تُعدّ الركيزة الأساسية للحفاظ على الكتلة العضلية والقوّة، بينما تساهم التمارين الهوائية في دعم صحّة القلب والأيض. الجمع بين النوعَين مع تمارين التوازن والمرونة، يحسّن جودة الحياة، يحافظ على الاستقلالية، ويقلّل خطر الأمراض المزمنة.

 

نمط الحياة والمتابعة

بعد عمر الخامسة والأربعين، يصبح من الضروري اعتماد نمط حياة متكامل يشمل النوم الجيد، والتحكم بالتوتر، والتغذية المتوازنة. كما يُعدّ فحص "InBody" مهمًّا لمتابعة التغيّرات في تركيب الجسم وتخصيص النظام الغذائي والرياضي بشكل دقيق. علمًا أن التقدّم في العمر لا يعني فقدان القوّة أو الاستسلام للتغيّرات الجسدية. فبالوعي الغذائي، والتركيز على البروتين، والحفاظ على الحركة، يمكن تحويل مرحلة ما بعد الخامسة والأربعين إلى مرحلة صحة وقوّة واستقلالية، بدل أن تكون بداية التراجع.