الأطفال في زمن الحرب... العلاج النفسيّ هو الحلّ

Thumbnail

قصف البيت، انهارت الجدران وتناثرت الأحجار كشظايا قلوب الأطفال التي تحطمت مع بيوتهم التي تشلعت إرباً إرباً. اختفت الألوان الزاهية من حياتهم؛ حلّ محلها سواد الدمار ورعب القصف. رائحة البارود والدم ملأت الأرجاء، وتحوّلت بيوتهم إلى مقابر للأحلام. الأطفال، ضحايا حرب لا ذنب لهم فيها، يعانون من جروح بالغة في نفوسهم. بعضهم فقد أهله، بعضهم الآخر شرّد من دياره، وجميعهم يعيشون كوابيس لا تنتهي، ما يهدّد صحة أجيالنا النفسية، ومستقبل بناء مجتمع سليم لا مريض.

 

 

يبحث أطفالنا في الحرب المشتعلة حالياً على أرض الوطن، عن وسيلة للتعايش وسط الفوضى. أحاسيس مختلفة تخالجهم؛ تبدأ بعدم الشعور بالأمان والاستقرار والانتماء، ولا تنتهي بالخوف المستمرّ والقلق الدائم. باختصار، إنّ "كل طفل في لبنان عرضة للمشاكل النفسية أو يعاني منها"، على حدّ تعبير الاختصاصية في علم النفس العيادي منى اسطفان، مضيفةً: "تتباين هذه المشاعر بين من عاش الحرب ونزح أو من يتابع من المناطق الآمنة. فمن المؤكد أنّ الطفل النازح تعرّض لصدمة معيّنة سبقت نزوحه، ولكن حتّى الأطفال في المناطق الآمنة ليسوا بمنأى عن المشاعر السلبية في لاوعيهم أقلّه، نتيجة مشاهد الموت والدمار. وكلما كانت دائرة الخطر أبعد، كانت الصدمات أقلّ".

 

علامات الإنذار

من الصعب أن يعبّر الطفل كلامياً عن شعوره، إلّا أنّ سلوكه لا يكذب، وهو بمثابة علامة إنذار واضحة، كفيلة بتنبيه الأهل أو المحيط إلى المعاناة من الصدمة. وتقول اسطفان: "تظهر على بعض الأطفال مجموعة علامات واضحة تتمثّل بالقلق وقلّة النوم والأكل. إلّا أنّ امتناعهم عن اللعب، دليل قاطع على الاضطراب، إضافةً إلى انعدام التفاعل مع المحيط. مع العلم أنّ تداعيات الصدمات المختلفة سترافق الأطفال إلى المدى البعيد".

 

في الأوقات الطبيعية، يمهل علم النفس أسبوعين إلى ثلاثة لتخطي الصدمة، ولكن الآن تتّخذ الأمور منحى آخر. وهنا لا بدّ من التوقف على دور الأهل في هذا الموضوع. بحسب اسطفان "عندما يشعر الطفل بالأمان يطمئنّ تلقائياً، وبالتالي يجب أن ينعكس هذا الشعور من الأهل نحو صغارهم"، مضيفةً: "أعلم أنّ الوضع صعب جدّاً حتّى على الأهل، ولكن فليحاولوا قدر المستطاع أن يتوجّهوا لطفلهم بعبارات مهدّئة مثل: "نحن في أمان حالياً بعيداً من الخطر"، "نحن إلى جانبكم لحمايتكم ورعايتكم". وبالطبع، إبعادهم عن مشاهد الدم والقتل على التلفزيون أو مواقع التواصل الاجتماعي، وجعلهم يعيشون في الحاضر واللحظة الآنية".

 

وعن التوقيت المناسب لاصطحابهم لزيارة الطبيب النفسي، تقول: "اليوم قبل الغد" بالنسبة للنازحين الذين تعرّضوا لصدمات بصرية وسمعية"، مردفةً: "لسنا منفصلين عن الواقع وندرك أنّ كلفة العلاج لا يمكن أن يتحمّلها جزء كبير من النازحين وغيرهم، وهنا يأتي دور المنظمات غير الحكومية التي تعمل مشكورة قدر المستطاع لتأمين بعض المتابعة النفسية لهؤلاء ولا سيما في مراكز الإيواء. كذلك، للأهل دور أيضاً في مساعدة أطفالهم من خلال المحافظة على روتينهم اليومي، من ناحية الاستيقاظ مبكراً، غسل وجوههم، ارتداء ملابسهم، تناول أكل صحي، الخروج إلى الشمس، اللعب مع أطفال آخرين، الرسم للتعبير عن أفكارهم وإخراج مشاعرهم والامتناع عن نقل الأخبار السيئة لهم".

 

نزوات الموت

ولكن ماذا إن غابت المتابعة النفسية؟ تجيب: "إذا لم تتخذ التدابير اللازمة على مستوى الوطن ككل من الوزارات المعنية، سنكون أمام مجتمع مريض، فيه أطفال تربوا على فكرة الدم والدمار وأذية الآخر وعدم الاستقرار. ناهيك بالانحرافات الفكرية والسلوكية والأخلاقية والجنسية. وطبعاً، ستطغى نزوات الموت على نزوات الحياة".

 

نتمنى لو استطعنا، عند انتهاء هذه الحرب، أن نطوي صفحتها وكأن شيئاً لم يكن، ولكن آثارها النفسية العميقة على أطفالنا ستظل راسخة في ذاكرتهم، تؤكد اسطفان، خاتمةً أن لا بديل عن العلاج والمرافقة النفسية، لتخطي الصدمات والاندماج تدريجياً مجدّداً.

جنى جبّور