مشاهدات حية من لبنان.. ما اتجاهات التصويت في الشارع السني في ظل غياب تيار المستقبل؟
داخل محله الصغير، يحني اللبناني أحمد كبارة ظهره لتوضيب الخضار التي أضحت بسعر اللحوم وفق تعبيره، وينتظر عبور الزبائن من "طريق الجديدة" في بيروت التي يعمل فيها منذ 40 عامًا. يُدرك الرجل الذي عاش عقودًا من أطوار منطقته أن الأزمة الاقتصادية نتيجة انهيارات كثيرة عمّقت يأسهم وشعور الغربة داخل منطقتهم ووطنهم.
نسأله عن موقفه من الانتخابات البرلمانية في 15 مايو/أيار 2022، فيردّ سريعًا "إنني مقاطع".
هنا في "طريق الجديدة" يتكثف الولاء لتيار المستقبل وزعيمه سعد الحريري، وتحديدًا بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري عام 2005. وبين أبنيتها، تتدلى صورة عملاقة لرفيق الأب وسعد الابن، ممهورة بعبارة "يلي خلف ما مات". وعلى بُعد شارعٍ منها، نلحظ صورة أخرى لسعد الحريري منسية من أيام تكليفه الشهير الذي دام نحو 9 أشهر من دون تشكيل الحكومة، وموقعة بشعار ثلاثي "نور لبنان بتكليفك".
يكتسب تيار المستقبل في طريق الجديدة حيثية فريدة لا ترتبط بتقديمات خدماتية وإنمائية، بل لأنه ملأ فراغًا سياسيًّا لمنطقة تعبر عن انتمائها لسعد الحريري بصفته وريثا لرفيق الحريري.
وفي لحظات استقطاب مصيرية شهدها لبنان بعد 2005 وأدت إلى فرزه بين معسكري 8 و14 آذار، وما تلاها من اضطرابات بلغت ذروتها بأحداث 7 مايو/أيار 2008 التي كادت تجرّ البلاد إلى فتنة أهلية وطائفية، كان يصدح أهالي طريق الجديدة بشعار "الله، حريري، طريق الجديدة"، وكان ذلك ردًّا تلقائيًّا على شعار مضاد لأهالي الضاحية الجنوبية ينادي "الله، نصرالله، والضاحية كلها".
تاريخيًّا، كانت طريق الجديدة أحد معاقل الفصائل الفلسطينية، وكانت جدرانها إبان الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 تظللها صور جمال عبد الناصر وياسر عرفات. وكان ملعبها البلدي، الذي شهد مباريات طاحنة بين فريقي كرة قدم "الأنصار" (يؤيده معظم أهالي بيروت حيث نفوذ المستقبل) و"النجمة" (يؤيده معظم أهالي الضاحية حيث نفوذ حزب الله)، أشبه بمنصة لسجال يتردد على مدرجاته بأصداء هذه الشعارات وغيرها، فأضحى جزءًا من ذاكرة المنطقة وصناعة خطابها السياسي.
شعار الله حريري طريق الجديدة كرد على شعارات الضاحية الجنوبية - الجزيرة
لكن مضمون هذا الخطاب تبدّد في السنوات الأخيرة، وتقدمت صراعات أخرى تدور على أعتاب الانتخابات في فلك التوازنات الطائفية والسياسية والمناطقية، وتبدو طريق الجديدة كمنطقة انتهت فيها كل أشكال الحروب والصراعات والحركات السياسية، كما يعبر عنها ابنها بائع الخضار.
وهنا، يترحم أحمد كبارة على "شهيدنا رفيق الحريري"، ويقول للجزيرة نت "إن لحظة اغتياله كانت اغتيالًا سياسيًّا لمشروعه ولدور الطائفة السنّية وأبنائها ومناطقها بلبنان، كأن تاريخها توقف في 14 فبراير/شباط 2005، ثم دفعنا ثمن تسويات سعد الحريري مع خصومه". ويرى أن شريحة واسعة لا تقاطع الانتخابات لأجل سعد الحريري فحسب، "بل لأننا متروكون منذ مات أبيه، ولم يحرز نضالنا السياسي أي تقدم لدورنا وحضورنا ضمن المعادلة اللبنانية".
وإذا كان مشهد "طريق الجديدة" يوحي بمقاطعة الانتخابات تماهيًا مع تعليق الحريري لعمله السياسي والانتخابي، فإن الواقع لا ينسحب على مناطق أخرى ذات غالبية سنّية، لا في بيروت ولا جنوبًا ولا شمالًا.
معركة بيروت
في دائرة بيروت الثانية، حيث الغالبية السنية، تتنافس 9 لوائح انتخابية، بينها 3 لوائح تجسد القوى التقليدية، و6 لوائح تمثل قوى المجتمع المدني وتحمل شعار التغيير، وجميعها تتحضر للانتخابات بحسابات استثنائية، كونها تخوضها لأول مرة بلا تيار المستقبل وزعيمه الذي يمتلك أكبر تكتل برلماني للطائفة السنية في لبنان.
ولهذه الدائرة 11 مقعدًا برلمانيًّا، بينها 6 مقاعد مخصصة للطائفة السنية. وتظهر حيويتها الانتخابية من رأس بيروت إلى عين المريسة وميناء الحصن وزقاق البلاط والمرفأ والباشورة والمزرعة والمصيطبة، ومعظم أحيائها تغزوها يافطات عملاقة تسعى عبرها القوى المتنافسة لجذب الأصوات السنية وتحذر من مقاطعة الانتخابات.
مثلًا، ترفع لائحة "بيروت تواجه" المدعومة من رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة شعارات عدة منها "صوتك بـ15 أيار بيسقط 7 أيار" و"بيروت رح ترجع"، كتصويب للمعركة ضد حزب الله، وتحث الناخبين على الاقتراع بمقولة "صوتك واجب".
كذلك تفعل لائحة "بيروت بدها قلب" المدعومة من النائب فؤاد المخزومي الذي يسعى للتقدم في ظل غياب الحريري، وترفع لائحته شعارات منها "صمتنا بعتم بيروت مرة تانية".
وفي الدائرة نفسها تحظى جمعية المشاريع الإسلامية (الأحباش) بحيثية واسعة، وتعدّ حليفة رئيسة لحزب الله عبر نائبها عدنان الطرابلسي الذي شكل لائحة "لبيروت"، ويرى مراقبون أن آلاف الأصوات السنية ببيروت تصب في مصلحتها.
في حين تسعى بعض لوائح المجتمع المدني للاستفادة من حالة المعارضة في بيروت الثانية، وجذب الناخبين السنة إليها لتسجيل خرقٍ بإحدى المقاعد، وفي طليعتها لائحة "بيروت التغيير".
وفي إحدى المحال التجارية في بيروت، يقول اللبناني ماهر قباني للجزيرة نت "سأعطي صوتي لمن أراه مناسبًا، لا بد أن نقترع وألا نتأثر بدعوات المقاطعة، لأن صوتنا مصيري في الانتخابات".
معركة صيدا
تعدّ صيدا الجنوبية التي يتحدر منها الرئيس رفيق الحريري معقلًا تاريخيًّا لتيار المستقبل منذ تأسيسه في التسعينيات. وبعد اغتيال الحريري تجسد ثقل التيار بالمدينة ليس عبر زعيمه سعد الحريري بل عبر عمته بهية الحريري، وهي نائبة عن أحد مقعديه السنّيين إلى جانب النائب أسامة سعد.
وحتى الآن يرى كثيرون أن رئيسة كتلة المستقبل البرلمانية بهية الحريري رغم عزوفها عن الترشح تماهيًا مع قرار الحريري ما زالت رقمًا صعبًا في صيدا، نظرًا لحيثيتها الشعبية التي اكتسبتها بحضورها مختلف المناسبات وتقديم الخدمات لأبناء منطقتها.
ويتحدث أبناء من صيدا للجزيرة نت عن حركة انتخابية تكثفت في الأسابيع الأخيرة، وتتعاطى شريحة واسعة مع غياب المستقبل كأمرٍ واقع إذ تشهد صيدا انتشارًا واسعًا للافتات الانتخابية، من دون غياب صور الرئيسين رفيق وسعد الحريري.
جنى الدهيبي الجزيرة





